ابن الجوزي

244

صفة الصفوة

دخلت عليّ من هذا الباب عليها قميص فضة وفي رجليها نعلان لم أر قدما قطّ في نعل أحسن منهما فقلت لها : لمن أنت ؟ قالت : لمن لا يبرّد الماء في الكيزان الخضر . وضربت بكمّها الكوز فرمت به ، وهو هذا ، ثم انتبهت . قال جنيد : فمكثت أختلف إليه مدة طويلة أرى الكوز بين يديه مكسورا عليه التراب وهو لا يرفعه . وعنه قال : قال لي سريّ : إن أمكنك ألّا تكون آلة بيتك إلّا خزفا فافعل . قال لي الجنيد : وهكذا كانت آلة بيته ، وسمعت سرّيا يقول : رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل . قال وكان سريّ إذا جنّ عليه الليل دافع أوّله ، ثم دافع ، ثم دافع ، فإذا غلبه الأمر أخذ في النحيب والبكاء . جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السريّ قال : ما أرى لي على أحد فضلا . قيل : ولا على المخنّثين ؟ قال : ولا على المخنثين ؟ قال السلمي : وسمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه الرازي يقول : سمعت أبا عمر الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : من أراد أن يسلم دينه ويستريح قلبه وبدنه ويقلّ غمّه فليعتزل الناس ، لأن هذا زمان عزلة ووحدة . وعن عبدوس بن القاسم قال : سمعت السريّ يقول : كلّ الدنيا فضول إلا خمس خصال : خبز يشبعه ، وماء يرويه ، وثوب يستره ، وبيت يكنّه ، وعلم يستعمله . وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال : سمعت السريّ يقول : من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم ، ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها . وعنه قال : سمعت السريّ يقول : قليل في سنّة خير من كثير في بدعة ، كيف يقل عمل مع تقوى ؟ وسمعته يقول : أقوى القوة غلبتك نفسك ، ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز ، ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه ، ومن خاف اللّه خافه كلّ شيء . وقال : إن اغتممت بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك .